ابن الزيات

231

التشوف إلى رجال التصوف

قال ابن أبي القاسم : ولما مرض أبو علي مرضه الذي توفى فيه قلت له : من يصلى عليك ؟ قال لي : يصلى على والدك ؛ فإني رأيت في النوم شخصا ، فقال لي : أبو القاسم هو الرجل الصالح ؛ فلا يصلى على سواه . قال : فتوفى أبو علي وأنا غائب بتازيما وهي على ثمانية عشر ميلا من سجلماسة ، فلم يمكنني أن أبعث إلى أبى . فعزمنا على دفنه بالغداة ؛ فأرسلنا في السحر إلى الغاسل . فلم يوجد مفتاح الدرب الذي يسكن فيه الغاسل ؛ فاحتجنا إلى النجار يفتح الباب . فتعذر علينا دفنه بالغداة ولم يتفرغ من تجهيزه إلى قبره إلا وقد طلع النهار . فرفعناه إلى شفير قبره ونظرنا من يصلى عليه ، فإذا نحن بأبى حاضر . فتقدم وصلى عليه فلما فرغنا من دفنه . قلت لأبى : من أين عرفت وفاة أبى على . فقال : لما صليت العتمة صرخ صارخ بموته . فأسريت طول ليلتي إلى أن وصلت فوجدته على شفير القبر . ومنهم : 129 - أبو علي يغمور بن خالد اليرصجىّ تلميذ أبى عبد اللّه محمد بن ياسين الفقيه ، صاحب أبى مهدى وين السلامة بن جلداسن ، وكان مدرسا للفقه ثم اعتزل الناس وغلبت عليه أحوال المعاملات مع اللّه تعالى ومات بتاسوفيطت قبل التسعين وخمسمائة . وكان بدء أمره أنه نظر إليه أبو مهدى وهو يدرس الفقه . فقال : هذا الفتى لا يصلح إلا لطاعة اللّه وعبادته . فصحبه وكان يدله على الطريق ويبصره فيه ويحدثه بكرامات الأولياء إلى أن حدثه مرة بالمشي في الهواء ، فأنكر له يغمور ذلك . فمر عنه أبو مهدى إلى أن جاءه برجلين من أصحابه . فوجده أبو مهدى في المسجد فلما رآهم أبو علي تقدم بهم إلى منزله فأدخلهم في البيت وذهب ليأتيهم بطعام . فلما جاءهم بالصحفة خرجوا من البيت واستعلوا على السقف وهو ينظر إليهم وهم يقولون له : كل طعامك أيها الشاك ؛ ولم يزل ينظر إليهم إلى أن استعلوا في الهواء . فصاح ومزق أثوابه ووقع مغشيا عليه ، فجاءه والده . فلما أفاق سأله عن سبب غشيانه . فأخبره فقال له والده : ما لك وأولياء اللّه تعالى تنازعهم ؟ فمن حينئذ لزم يغمور الطريق إلى أن لحق بالرجال .